محمد بن جرير الطبري

260

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جعفر : يعني بقوله حل ذكره : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه ، إذ رفع فوقكم الطور ، بأنكم تجتهدون في طاعته ، وأداء فرائضه ، والقيام بما أمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم ، فأنعم عليكم بالإِسلام ورحمته التي رحمكم بها ، وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها بمراجعتكم طاعة ربكم ؛ لكنتم من الخاسرين . وهذا وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو خبر عن أسلافهم ، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم على نحو ما قد بينا فيما مضى من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره بما مضى من فعل أسلاف المخاطب بأسلاف المخاطب ، فتضيف فعل أسلاف المخاطب إلى نفسها ، فتقول : فعلنا بكم ، وفعلنا بكم . وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى . وقد زعم بعضهم أن الخطاب في هذه الآيات إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به والفعل لغيرهم ؛ لأَن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل ، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم . وقال بعضهم : إنما قيل ذلك كذلك ، لأَن سامعيه كانوا عالمين ، وإن كان الخطاب خرج خطابا للأَحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب ؛ إذ المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم ، فاستغنى بعلم السامعين بذلك عن ذكر أسلافهم بأعيانهم . ومن ذلك بقول الشاعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقري به بدا فقال : " إذا ما انتسبنا " ، و " إذا " تقتضي مستقبلا . ثم قال : " لم تلدني لئيمة " ، فأخبر عن ماض من الفعل . وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت . وإنما فعل ذلك عند المحتج به لأَن السامع قد فهم معناه ، فجعل ما ذكرنا من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة أفعال أسلافهم إليهم نظير ذلك . والأَول الذي قلنا هو المستفيض من كلام العرب وخطابها . وكان أبو العالية يقول في قوله : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فيما ذكر لنا نحو القول الذي قلناه . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا آدم ، قال ثنا أبو النضر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ قال : فضل الله : الإِسلام ، ورحمته : القرآن . وحدثت عن عمار قال : ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بمثله . القول في تأويل قوله تعالى : لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ . قال أبو جعفر : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إياكم بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم ، لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دائما ، الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم وخلافكم أمره وطاعته . وقد تقدم بياننا قبل بالشواهد عن معنى الخسار بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ يعني بقوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ولقد عرفتم ، كقولك : قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه ، يعني عرفته ولم أكن أعرفه ، كما قال جل ثناؤه : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ يعني : لا تعرفونهم الله يعرفهم . وقوله : الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ أي الذين تجاوزوا حدي وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت وعصوا أمري . وقد دللت